محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ قال : الذين تقاسموا بصالح . وقرأ قول الله تعالى : وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قال : تقاسموا بالله ؛ حتى بلغ الآية . وقال بعضهم : هم قوم اقتسموا طرق مكة أيام قدوم الحاج عليهم ، كان أهلها بعثوهم في عقابها ، وتقدموا إلى بعضهم أن يشيع في الناحية التي توجه إليها لمن سأله عن نبي الله صلى الله عليه وسلم من القادمين عليهم ، أن يقول : هو مجنون : وإلى آخر : إنه شاعر ، وإلى بعضهم : إنه ساحر . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه ، أنه نذير لهم من سخط الله تعالى وعقوبته أن يحل بهم على كفرهم ربهم وتكذيبهم نبيهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم . وجائز أن يكون عني بالمقتسمين : أهل الكتابين التوراة والإنجيل ، لأنهم اقتسموا كتاب الله ، فأقرت اليهود ببعض التوراة وكذبت ببعضها وكذبت بالإنجيل والفرقان ، وأقرت النصارى ببعض الإنجيل وكذبت ببعضه وبالفرقان . وجائز أن يكون عني بذلك : المشركون من قريش ، لأنهم اقتسموا القرآن ، فسماه بعضهم شعرا وبعض كهانة وبعض أساطير الأولين . وجائز أن يكون عني به الفريقان . وممكن أن يكون عني به المقتسمون على صالح من قومه . فإذ لم يكن في التنزيل دلالة على أنه عني به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين ، ولا في خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا في فطرة عقل ، وكان ظاهر الآية محتملا ما وصفت ، وجب أن يكون مقتضيا بأن كل من اقتسم كتابا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض ، واقتسم على معصية الله ممن حل به عاجل نقمة الله في الدار الدنيا قبل نزول هذه الآية ، فداخل في ذلك لأنهم لأشكالهم من أهل الكفر بالله كانوا عبرة وللمتعظين بهم منهم عظة . واختلف أهل التأويل في معنى قوله : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ فقال بعضهم : معناه : الذين جعلوا القرآن فرقا مفترقة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : فرقا . حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جزءوه فجعلوه أعضاء ، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : جزءوه فجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا طلحة ، عن عطاء : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : المشركون من قريش ، عضوا القرآن فجعلوه أجزاء ، فقال بعضهم : ساحر ، وقال بعضهم : شاعر ، وقال بعضهم : مجنون ؛ فذلك العضون . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول : في قوله : جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ جعلوا كتابهم أعضاء كأعضاء الجزور ، وذلك أنهم تقطعوه زبرا ، كل حزب بما لديهم فرحون ، وهو قوله : فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ عضهوا كتاب الله ؛ زعم بعضهم أنه سحر ، وزعم بعضهم أنه شعر ، وزعم بعضهم أنه كاهن قال أبو جعفر : هكذا قال كاهن ، وإنما هو كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ،